يُنصح الناس في البرازيل بتجنب الحديث عن ثلاثة أشياء إذا كانوا يريدون الابتعاد عن الخلافات المحتملة: الدين والسياسة وكرة القدم. لكن إذا كان هناك شيء واحد يتفق عليه الجميع في البرازيل في الوقت الحالي فهو أن منتخب بلادهم الوطني يعاني بشدة.

عادةً ما يتباهى البرازيليون بأنهم متفوقون على بقية العالم بفضل المنتخب الوطني الذي دائماً ما يُنظر إليه على أنه القوة الأكبر في عالم كرة القدم، لكن من الواضح للجميع أنه يعاني بشدة في الآونة الأخيرة.

من المتوقع، أن تفوز البرازيل في كل مباراة تلعبها، ليس هذا فحسب، وإنما من خلال تقديم أداء جميل وممتع، لذا فإن خروجها من دور الثمانية بكأس العالم الأخيرة بقطر ثم خسارتها في مباراتين من المباريات الثلاث التي لعبتها منذ نهاية المونديال - أمام المغرب والسنغال - تعكس حجم المعاناة التي يمر بها الفريق، لكن الحقيقة هي أن مستوى البرازيل في تراجع منذ فترة طويلة، وليس الأشهر الأخيرة فقط.

لم يكن من الممكن في السابق تصور خسارة البرازيل أمام منتخبات خارج الخمس الأوائل بالتصنيف العالمي. لقد سحقت البرازيل المغرب بثلاثية نظيفة في طريقها إلى نهائي كأس العالم في فرنسا عام 1998، على سبيل المثال، لكن خسارتيها الأخيرتين، أمام المغرب بهدفين مقابل هدف وحيد في مارس (آذار) وأمام السنغال بأربعة أهداف مقابل هدفين الأسبوع الماضي، تشيران بوضوح إلى أن مكانة الكرة البرازيلية على المستوى الدولي قد تراجعت كثيراً.

لكن يجب الإشارة أيضاً إلى أن المنتخبات التي كان ينظر إليها سابقاً على أنها صغيرة أو ضعيفة لم تعد كذلك، فالسنغال هي بطلة أفريقيا، والمغرب وصل إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم الأخيرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعدما أطاح بمنتخبات عريقة مثل إسبانيا والبرتغال، قبل أن يخسر أمام فرنسا في الدور نصف النهائي، وهو الدور الذي لم يصل إليه منتخب البرازيل سوى مرة وحيدة فقط منذ آخر مرة فاز فيها بكأس العالم عام 2002. لكن المشكلة الكبرى أنه بالنظر إلى الطريقة التي تلعب بها البرازيل الآن فإنها تبدو عاجزة عن تحقيق الفوز على أي فريق!

عندما قاد ساديو ماني منتخب السنغال للفوز على البرازيل بأربعة أهداف مقابل هدفين في الأسبوع الماضي، أعرب المعلقون والنقاد على قناة «غلوبو» التلفزيونية البرازيلية عن غضبهم الشديد من المستوى الذي يقدمه المنتخب، وأشار اللاعب البرازيلي السابق، الذي يعمل الآن محللاً للمباريات، كايو ريبيرو، إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا الأداء المتواضع هو عدم وجود مدير فني دائم. وفي الوقت الذي غيرت فيه دول أخرى مديريها الفنيين بسرعة بعد نهاية كأس العالم، لا يزال المنتخب البرازيلي يلعب تحت قيادة المدير الفني المؤقت رامون مينيزيس، الذي عادة ما يقود منتخب البرازيل تحت 20 عاماً. وقاد مينيزيس المنتخب البرازيلي للشباب للفوز ببطولة كأس أمم أميركا الجنوبية للشباب في وقت سابق من هذا العام، لكن لم يتمكن من مواصلة النجاح مع المنتخب الأول. وكان المنتخب البرازيلي قد خسر ست مباريات فقط من أصل 81 مباراة لعبها تحت قيادة المدير الفني السابق، تيتي، وحالياً خسر مرتين من أصل ثلاث مباريات لعبها تحت قيادة مينيزيس.

كان نيمار المصاب منذ فترة قد أشار قبل أيام إلى أن ابتعاده عن الملاعب وبخاصة المنتخب أمر مخيب للآمال وقال: «الحرمان من اللعب شيء مروع. أحب أن أكون في الملعب. لذا تخيلوا أن يدوم ذلك بين 4 إلى 5 أشهر! انه أمر مريع». ويدعم نيمار فكرة التعاقد مع أنشيلوتي لقيادة المنتخب البرازيلي، وقال: «نحن نعرفه... إنه مدرب قدير».

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن تردد الاتحاد البرازيلي لكرة القدم وافتقاره إلى التخطيط السليم لهما تأثير غير مباشر على المنتخب الوطني الذي يلعب من دون مدير فني دائم، والذي يتعين عليه أن يستيقظ ويستعيد مستواه بسرعة قبل بداية الطريق نحو كأس العالم 2026. ومن المؤكد أن المدير الفني الجديد، مهما كان، سيتعين عليه القيام بعمل كبير من أجل إعادة المنتخب البرازيلي إلى مكانته في عالم كرة القدم، فالأمر ليس مجرد اختيار مجموعة من اللاعبين الموهوبين والدفع بهم إلى داخل الملعب لكي يلعبوا سوياً!

قبل انطلاق بطولة «كوبا أميركا» الحالية، لم تكن هناك توقعات كبيرة بأن تفوز البرازيل بلقبها العاشر. لكن كان من الممكن أن تستغل البرازيل هذه البطولة كفرصة لبناء الزخم واستعادة الثقة. وبعد سنوات من الاضطرابات في الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، كان هناك أمل في أن يكون الأداء القوي بمثابة نقطة تحول قبل الجولة التالية من تصفيات كأس العالم، التي تحتل فيها البرازيل المركز السادس في الترتيب، وهو ما يقربها بشكل خطير من الغياب عن مونديال 2026.

وبعد تقديم أداء قوي في مباراتين وديتين أمام إسبانيا وإنجلترا في مارس (آذار) الماضي، بدا أن المدير الفني دوريفال جونيور، الذي تم تعيينه لوقف هذا التدهور، قد نجح في تحقيق الاستقرار المطلوب داخل صفوف الفريق. لكن ما قدمه المنتخب البرازيلي في «كوبا أميركا» لم يكن كافيا لإسكات المشككين في دوريفال. لقد تعرض لانتقادات لاذعة لفشله في التعامل بشكل جيد مع أحداث المباريات ولإجراء التغييرات في أوقات متأخرة جداً. وفي مؤتمره الصحافي بعد مباراة الدور ربع النهائي التي ودع بعدها البطولة، بدا دوريفال منزعجاً من عدم قدرة فريقه على استغلال النقص العددي للأوروغواي التي لعبت الشوط الثاني بعشرة لاعبين بعد طرد أحد لاعبيها. وكان الأمر الأكثر إثارة للقلق يتعلق بأن سيطرته على هذا الفريق المدجج بالنجوم أصبحت موضع شك. وقبل تنفيذ ركلات الترجيح، تم استبعاد دوريفال من دائرة اللاعبين الذين كانوا مجتمعين معا. وعلى الرغم من أنه رفع يده لكي يتحدث، فإنه قد تم تجاهله تماما.

وبعد الغضب الجماهيري العارم في فندق الفريق والمطالبة برحيل دوريفال والقائد دانيلو، قال دانيلو إن البرازيل «فريق شاب أظهر أنه قادر على القيام بأشياء عظيمة» وأنه «يأمل فقط أن يتحلى الناس بالقليل من الصبر». لكن لا يتفق مع ذلك سوى قليلين، حيث كان الصبر قد بدأ ينفد بالفعل قبل انطلاق البطولة، وأشارت النتائج في «كوبا أميركا» والأداء إلى أن الفريق قد ضل طريقه مرة أخرى. ولم تفز البرازيل سوى مرة واحدة في البطولة الحالية، وكان ذلك عندما سحقت الباراغواي المتواضعة بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد في مباراتها الثانية بدور المجموعات. وفي مبارياتها الثلاث الأخرى، ضد كوستاريكا وكولومبيا والأوروغواي، تعادلت في الوقت الأصلي وفشلت في تسجيل أي هدف من اللعب المفتوح.

لقد اشتهرت البرازيل طوال تاريخها بالتحركات السلسة والسريعة، لكن الفريق الحالي بقيادة دوريفال كان بطيئا ومفككا. حتى اللاعبون الذين كان من المتوقع أن يضيفوا النشاط والحيوية للفريق - رودريغو، وإندريك، وفينيسيوس جونيور - إما تُركوا على مقاعد البدلاء أو أصيبوا بالإحباط وخيبة الأمل. وأصبح الفريق يعتمد بشكل مبالغ فيه على فينيسيوس، الذي يسمع الانتقادات من جميع الاتجاهات.

وقال النجم البرازيلي الكبير روماريو مؤخراً: «فينيسيوس ليس هو اللاعب الذي يجعلك تقول إن البرازيل ستفوز بالبطولة لو لعب بشكل جيد! لكن الحقيقة هي أنه إذا لعب بشكل جيد، فسوف يساعد البرازيل كثيراً فقط». وفي ضوء ما حدث خلال الصيف الجاري، يبدو روماريو محقا في وجهة نظره، حيث لم يتمكن فينيسيوس مرة أخرى من تقديم أداء مقنع في البطولات الكبرى مع منتخب بلاده، وغاب عن مباراة الدور ربع النهائي بداعي الإيقاف بعد حصوله على إنذارين ساذجين في دور المجموعات

قد سجل هدفين في المباراة التي فازت فيها البرازيل على الباراغواي، لكنه اختفى تماما في مباراتي كوستاريكا وكولومبيا اللتين انتهتا بالتعادل. وفي المقابل، يُقدم فينيسيوس مستويات استثنائية مع ناديه ريال مدريد، ويتميز بالسرعة الفائقة، والابتكار في الثلث الأخير من الملعب، وعندما ينطلق بالكرة لا يستطيع أي مدافع أن يوقفه. لكن كل هذه الأشياء الرائعة تختفي تماما بمجرد ارتدائه قميص المنتخب البرازيلي! وعلاوة على ذلك، فشل فينيسيوس تحت قيادة مديرين فنيين متعاقبين في إيجاد مركز واضح له مع الفريق: فهل يجب أن يلعب في الناحية اليسرى؟ أم يجب أن يلعب في منتصف الملعب؟ أم يعود إلى الخلف قليلا؟ وهل يتعين عليه أن يعمل بنفسه على الربط بين خطوط الفريق المختلفة، أم يجب أن يكون هو من يبدأ الهجمة؟ إنه يتردد كثيرا خلال المباريات، فأحيانا يدخل لعمق الملعب من دون خطورة تذكر، أو يشن هجمات غير مؤثرة أو يدخل في أماكن مزدحمة باللاعبين بحيث لا يمكنه المرور. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أنه خلال 251 دقيقة في بطولة «كوبا أميركا» هذا الصيف، كان عدد لمساته غير الناجحة ضعف عدد تمريراته التي أدت لتسديدات على المرمى.

لكن لا ينبغي إلقاء اللوم على فينيسيوس وحده، فزملاؤه من حوله يجب أن يتعاونوا معه بشكل أكبر، حيث لا يمكن لأي مهاجم أن يتألق ويظهر قدراته وإمكاناته الحقيقية إلا إذا كان يلعب في فريق منظم ومستقر. ومع عدم تطور فينيسيوس ليصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في البرازيل، تراجع مستوى باقي اللاعبين من حوله بشكل غريب. وقبل مباراة الأوروغواي، قال لاعب خط الوسط البرازيلي أندرياس بيريرا إن منتخب البرازيل الحالي لا يمكن أن تصل إليه الأوروغواي حتى في أفضل أحلامها! لقد كان تصريحا غريبا في حقيقة الأمر، بالنظر إلى أن خط وسط البرازيل، المدجج بلاعبين يلعبون في الدوري الإنجليزي الممتاز، ظهروا بشكل مخيب للآمال تماما أمام خط وسط كولومبيا الذي يضم لاعبين عاديين يلعبون في الدوري البرازيلي المحلي. لكن هذا التصريح كان أيضاً بمثابة حافز كبير للاعبي الأوروغواي الذي حصد المركز الثالث!

وقال لويس سواريز بعد فوز الأوروغواي: «عندما تتحدث عن الأوروغواي، يتعين عليك أن تتحلى بمزيد من الاحترام. يجب عليك أن تعرف تاريخ الأوروغواي جيدا قبل أن تقول إن هناك لاعبين يرغبون في اللعب مع منتخب البرازيل». لقد أصبحت تصريحات بيريرا تبدو مضحكة ومثيرة للسخرية بعد نهاية المباراة، حيث لم يتمكن لوكاس باكيتا وجواو غوميز وبرونو غيماريش وبيريرا من التعامل مع الضغط العالي الذي يمارسه لاعبو الأوروغواي، تماماً كما حدث أمام كولومبيا. ونظراً لعدم قدرة البرازيل على بناء اللعب من خلال خط الوسط في أي من المباراتين، فقد لجأت إلى حارس المرمى أليسون بيكر لإرسال كرات طويلة من الخلف، وهو ما أدى إلى تدمير أي محاولة لبناء اللعب.

وبدا دوريفال عاجزا تماما وهو يقف بجوار خط التماس، وفشل في إيجاد الحلول المناسبة. وبينما كان بإمكان البرازيل في السابق الاعتماد على كاسيميرو أو فرناندينيو لتقديم القوة اللازمة في خط الوسط، فإنها تعتمد الآن على ثلاثي في خط الوسط - غوميز وغيماريش وباكيتا - يكتفون غالبا برؤية ما يحدث من حولهم دون التدخل لاستخلاص الكرة.

ويُعد إندريك هو اللاعب الوحيد الذي يقدم بصيصاً حقيقياً من الأمل. لقد شارك اللاعب البالغ من العمر 17 عاماً في التشكيلة الأساسية للبرازيل للمرة الأولى تحت قيادة دوريفال في مباراة الدور ربع النهائي بدلا من فينيسيوس الموقوف. لكن من الصعب للغاية أن تتوقع من لاعب في مثل هذه السن الصغيرة أن يقود فريقا بمفرده في مثل هذه الأوقات الصعبة. وأمام الأوروغواي، أكمل إندريك تمريرتين فقط (واحدة من ركلة البداية)، وكان يعاني كثيرا في التعامل مع اللياقة البدنية للخط الخلفي للأوروغواي.

 

 

قد يُنظر إلى إندريك باعتباره المنقذ، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يُصلح المشكلات الواضحة للجميع في خط الوسط أو التفكك الكبير في جميع صفوف الفريق. وتتمثل الحقيقة في أن البرازيل أصبحت الآن رابع أفضل فريق في أميركا الجنوبية، خلف الأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا، التي لم تخسر في 28 مباراة متتالية قبل الخسارة أمام الأرجنتين في نهائي البطولة. لا تمتلك هذه الفرق بالضرورة مواهب أكثر من البرازيل، لكنها جميعا تلعب بطريقة واضحة ولديها مديرون فنيون أقوياء. وإذا لم تتحسن الأمور بسرعة، فإن البرازيل ستكون مهددة بالغياب عن كأس العالم 2026. وإذا لم يتمكن دوريفال من إيقاف هذه الدوامة، فمن المرجح أن يقال من منصبه وتبحث البرازيل عن خامس مدير فني منذ عام 2022!

لكن ما حدث بعد توديع البرازيل البطولة هو أن طالب دوريفال بمزيد من الوقت لإكمال ثورة التصحيح في صفوف «راقصي السامبا». وقال دوريفال: «نحن نمر بعملية تجديد أو إعادة اختراع مهمة للغاية لهذا الفريق». وأضاف: «لقد دربت هذا الفريق لثماني مباريات فقط، وهذا مسار ينبغي أن نمر من خلاله». وأوضح: «نحن على دراية بالصعوبات التي ستواجهنا طوال الطريق، لكننا خسرنا الآن مباراة في الأدوار الإقصائية ولم يكن هذا ما نتوقعه». وأشار مدرب البرازيل: «لدينا متسع كبير لمواصلة النضوج والتطور، وهدفنا الرئيسي الآن هو التأهل لكأس العالم». وأوضح: «نحن الآن في المركز السادس بالتصفيات، لا نشعر بالراحة إزاء ذلك».